محمود سالم محمد

319

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

الدينية في نفوس السامعين ، لذلك افتتح به كثير من شعراء المدائح النبوية قصائدهم ، متجاوزين الوقوف على الأطلال ، مظهرين براعتهم في استمالة النفوس إلى نفثات أرواحهم ، وإلى إجادتهم للنسيب الرمزي الذي ترتاح إليه القلوب ، ويزداد هذا الشوق حرقة وتأججا ، حين يجد الشاعر موانع قاسية تحول بينه وبين الوصول إلى الحجاز ، وخاصة حين يكون بلده بعيدا جدا عنه ، مثل المغاربة الذين كانوا يكابدون مشقات جمّة للوصول إلى الحجاز ، فابن سعيد « 1 » وصل بعد جهد وعناء إلى الإسكندرية ، لكنه تعذّر عليه الحج ، فنظم فيها مدحة نبوية أودعها شوقه وحنينه ، وافتتحها بقوله : وارحمة لمتيّم ذي غربة * ومع التّغرّب فاته ما يقصد قد سار من أقصى المغارب قاصدا * من لذّ فيه مسيره إذ يجهد لا طاب عيشي أو أحلّ بطيبة * أفقا به خير الأنام محمّد « 2 » وإن كان ابن سعيد قد لمّح إلى سبب شوقه ووجده ، وتجشمه المصاعب ، فإن النواجي « 3 » قد بدأ مدحته النبوية ببيان سبب الشوق ، ودواعي الرحيل ، فقال : إليك رسول اللّه جبنا الفلا وخدا * ولولاك لم نهو العقيق ولا الرّندا ولولا اشتياقي أن أراك بمقلتي * لما كنت أشتاق الغوير ولا نجدا « 4 »

--> ( 1 ) ابن سعيد : علي بن موسى ، ورد من المغرب وجال في الديار المصرية والعراق والشام ، جمع وصنّف ونظم ، وهو صاحب كتاب ( المغرب في أخبار المغرب ) و ( المرقص والمطرب ) توفي بدمشق سنة ( 673 ه ) . ابن شاكر : فوات الوفيات 3 / 103 . ( 2 ) المقري : نفح الطيب 2 / 313 . ( 3 ) النواجي : محمد بن حسن بن علي بن عثمان ، عالم بالأدب ، نقّاد ، له شعر ، مولده ووفاته بالقاهرة ؛ له كتاب ( حلية الكميت ) وكتاب ( المطالع الشمسية في المدائح النبوية ، توفي سنة ( 859 ه ) . السخاوي : الضوء اللامع 7 / 229 . ( 4 ) المجموعة النبهانية : 2 / 41 .